تنزيل
0 / 0

يسأل عن فتوى للإمام أحمد تخالف ما عليه مذهبه من وجوب مسح الأذنين في الوضوء

السؤال: 225233

ذكرتم في الفتوى رقم 115246 ما نصه ” وقال الخلال : كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا , أنه يجزئه ; وذلك لأنهما تبع للرأس , لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه , ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس , ولذلك لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه ” . ما السبب وراء فتوى الإمام أحمد هذه ، مع أن أصل مذهبه ينص على وجوب مسح الأذنين ؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

أولاً :
قد ينقل عن الإمام الواحد كالأئمة الأربعة وغيرهم عدة اجتهادات في المسألة الواحدة ، وهنا يختلف أصحابه وأتباعه في اختيار أحد هذه الأقوال والاجتهادات ، ووصفه بأنه هو مذهب الإمام ، ولهم في ذلك قواعد وضوابط ، فيحاولون الجمع بين الأقوال أولا ، فإن تعذر وعُلم التاريخ ، فبعضهم يجعل القول الأخير هو المذهب ، وبعضهم يجعل الأول ، فإن لم يعلم التاريخ ، فإنه يرجح بين الأقوال ، ومن طرق الترجيح : أن القول الموافق لقواعد المذهب هو المذهب .
قال ابن بدران رحمه الله :
” وَقد يكون لَهُ (يعني : الإمام أحمد) فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة رِوَايَات ، ثمَّ إِنَّك تنظر فِي كتب الْأَصْحَاب فتجد غالبها مَبْنِيا على قَول وَاحِد ، وَرِوَايَة وَاحِدَة أخذك الشوق إِلَى أَن تعلم كَيفَ كَانَ تصرف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك ؟ وَمَا هِيَ طَريقَة المرجحين لإحدى الرِّوَايَات على الْأُخْرَى … .
لَا يخفاك أَن الْأَصْحَاب أخذُوا مَذْهَب أَحْمد من أَقْوَاله ، وأفعاله ، وأجوبته ، وَغير ذَلِك ؛ فَكَانُوا إِذا وجدوا عَن الإِمَام فِي مَسْأَلَة قَوْلَيْنِ : عدلوا أَولا إِلَى الْجمع بَينهمَا بطريقة من طرق الْأُصُول ، إِمَّا بحمل عَام على خَاص ، أَو مُطلق على مُقَيّد ، فَإِذا أمكن ذَلِك : كَانَ الْقَوْلَانِ مذْهبه .
وَإِن تعذر الْجمع بَينهمَا وَعلم التَّارِيخ ، فَاخْتلف الْأَصْحَاب : فَقَالَ قوم : الثَّانِي مَذْهَب … وَقَالَت طَائِفَة : الأول ، وَلَو رَجَعَ عَنهُ …
فَإِن جهل التَّارِيخ ، فالمذهب أقرب الْأَقْوَال من الْأَدِلَّة ، أَو قَوَاعِد مذْهبه ” انتهى من ” المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ” (ص/126) .
وانظر: “المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل” (1/291) للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله .

ولهذا يفرق بين المذهب الاصطلاحي ، والمذهب الشخصي .
فالمذهب الاصطلاحي للإمام : هو ما اختاره أصحابه ، وعولوا عليه ، وجعلوه هو المذهب ، وقد يكون الإمام أفتى بخلافه ، أو لم ينقل عنه قول في هذه المسألة بعينها .
أما المذهب الشخصي : فهو نص الإمام ، واختياره الشخصي .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :
“وهناك فرق بين المذهب الشخصي الذي يدين به الإمام لله عزّ وجل ، وبين المذهب الاصطلاحي :
فالمذهب الاصطلاحي : قد لا يكون الإمام قاله، أو قال بخلافه، وهو ما اصطلح عليه أتباع هذا الإمام أن يكون هو مذهبهم، مثل أن يختاره أئمة من أتباعه، ويقولون: إذا اتفق فلان وفلان من أئمة أتباعه على كذا فهو المذهب، أو إذا كان أكثر الأتباع على هذا فهو المذهب، لكن المذهب الشخصي يختلف ، فهو ما يدين به لله عزّ وجل، وقد يكون موافقاً لما قيل: إنه المذهب اصطلاحاً، وقد يكون مخالفاً” انتهى .
الشرح الممتع (12/41) .
ثانياً :
مسألة مسح الأذنين في الوضوء ، تعد من تلك المسائل التي تعددت فيها الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله .
فقد جاء في ” مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ” (ص/14) :
” قُلْتُ لِأَحْمَدَ : إِذَا تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيْهِ نَاسِيًا يُعِيدُ الْوُضُوءَ ؟ قَالَ لَا ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ ، قُلْتُ : إِذَا تَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا ؟ قَالَ : هَذَا أَخْشَى أَنْ يَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ ” انتهى .
وذكر المرداوي رحمه الله روايتين عن الإمام أحمد في وجوب مسح الأذنين ، فقال :
“إحْدَاهُمَا : لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا بَلْ يُسْتَحَبُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ : وَهِيَ الْأَشْهَرُ نَقْلًا” . ثم ذكر من اختارها من علماء الحنابلة ، ثم قال : “وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : يَجِبُ مَسْحُهُمَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ . انْتَهَى” ثم ذكر من اختارها أيضا ثم قال : “وهو المذهب على المصطلح” انتهى من ” تصحيح الفروع ” (1/181) .

وبناء على هذا ؛ فمذهب الإمام أحمد الاصطلاحي ، وهو ما اختاره أكثر أصحابه : هو وجوب مسح الأذنين في الوضوء .
وهذا لا يمنع أن يكون للإمام أحمد قول آخر في المسألة .

والله أعلم .

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعتم بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android