تنزيل
0 / 0
961919/12/2022

هل قول الجمهور حجة في ذاته؟

السؤال: 393609

قرأت في تفسير القرطبي حديثا، فهل هذا يعني أنّ جميع آراء الأقليّة مثل أنّ ترك الصلاة كُفر خاطئة؟ وهل كل العقائد التي لا توافق رأي الأغلبية خاطئة؟ وهل هذا يُشير إلى العقيدة فقط، أم مسائل الفقه أيضا؟ وهل كون الشيء من رأي الأغلبية دليل في أصول الفقه بسبب هذا الحديث؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

أولا:

الإجماع حجة

من الثابت أن الحجة إنما هي في الإجماع والاتفاق.

ومن أدلة أهل العلم على حجية الإجماع.

قول الله تعالى:(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء/115.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

“وأمْرُ رسولِ الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين – إن شاء الله – لازم” انتهى من”الرسالة” (ص403).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:

“وقوله: ( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية، فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا، فإنه قد ضُمِنت لهم العصمة – في اجتماعهم – من الخطأ؛ تشريفا لهم، وتعظيما لنبيهم صلى الله عليه وسلم.

وقد وردت في ذلك أحاديث صحيحة كثيرة، قد ذكرنا منها طرفا صالحا في كتاب “أحاديث الأصول”، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عوّل عليه الشافعي، رحمه الله، في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرُمُ مخالفته: هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل. وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها” انتهى من “تفسير ابن كثير” (2/ 412-413).

ويدل أيضا على حجية الإجماع : حديث ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي – أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى ضَلَالَةٍ) رواه الترمذي (2167) وقال: ” هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ “.

وهذا الحديث وإن كان في أسانيده مقال؛ إلا أن معناه يتقوى بالحديث الصحيح: عن مُعَاوِيَةَ، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: (لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) رواه البخاري (3641)، ومسلم (1037).

قال ابن حزم رحمه الله تعالى:

” وقد روي أنه عليه السلام قال: ( لا تجتمع أمتي على ضلالة )، وهذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده، فمعناه صحيح؛ بالخبرين المذكورين آنفا – حديث معاوية السابق، وحديث ثوبان بنفس المعنى – ” انتهى من “الإحكام في أصول الأحكام” (4/131).

ثانيا:

هل قول الجمهور حجة في ذاته؟

وأما قول الجمهور أو الأكثرية: فليس هو في ذاته حجة، بل الواجب في هذه الحال أن يتحاكم المختلفون إلى الكتاب والسنة .

قال الشاطبي رحمه الله تعالى:

“فإن في مسائل الخلاف ضابطا قرآنيا ينفي اتباع الهوى جملة. وهو قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان؛ فوجب ردها إلى الله والرسول، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية” انتهى من “الموافقات” (5/81).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

“وأما أقوال بعض الأئمة، كالفقهاء الأربعة وغيرهم؛ فليس حجة لازمة، ولا إجماعا باتفاق المسلمين، بل قد ثبت عنهم – رضي الله عنهم – أنهم نهوا الناس عن تقليدهم؛ وأمروا إذا رأوا قولا في الكتاب والسنة أقوى من قولهم: أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم. ولهذا كان الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا ظهر لهم دلالة الكتاب أو السنة على ما يخالف قول متبوعيهم اتبعوا ذلك … وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة رأوا غسل الدهن النجس؛ وهو خلاف قول الأئمة الأربعة.

وطائفة من أصحاب أبي حنيفة رأوا تحليف الناس بالطلاق، وهو خلاف الأئمة الأربعة … ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (20/ 10-11).

وقد نقل ابن القيم رحمه الله الإجماع على جواز مخالفة قول الجمهور، فقال:

“ومن تأمل مذاهب العلماء قديما وحديثا من عهد الصحابة وإلى الآن، واستقرأ أحوالهم: وجدهم مجمعين على تسويغ خلاف الجمهور، ووجد لكل منهم أقوالا عديدة انفرد بها عن الجمهور، ولا يستثنى من ذلك أحد قط” انتهى من” زاد المعاد” (5/214).

ثالثا:

ما الدليل على أن قول الجمهور حجة؟

لا يوجد دليل صحيح على حجية قول الجمهور، وما رواه ابن ماجه (3950) عن مُعَان بْنِ رِفَاعَةَ السَّلَامِيّ، حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ الْأَعْمَى، قال: سَمِعت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ أُمَّتِي لَن تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الاخْتِلَاف فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ).

فهذا حديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه مُعَانَ بْنَ رِفَاعَةَ: وقد ضعفه عدد من أهل العلم.

قال عنه الذهبي رحمه الله تعالى : “صاحب حديث ليس بمتقن” انتهى من”ميزان الاعتدال” (4/134).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ” ليّن الحديث، كثير الإِرسال ” انتهى. “تقريب التهذيب” (ص537).

وفيه أيضا: أبو خَلَف الأعمى؛ قال عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ” متروك، ورماه ابن معين بالكذب” انتهى من “تقريب التهذيب” (ص637).

وقال البوصيري رحمه الله تعالى:

“هذا إسناد ضعيف لضعف أبي خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء…

وروي من حديث أبي ذر وأبي مالك الأشعري وابن عمر وأبي نصرة وقدامة بن عبد الله الكلابي وفي كلها نظر. قاله شيخنا العراقي رحمه الله” انتهى من “مصباح الزجاجة” (ص510).

وانظر: “السلسلة الضعيفة” (6/436).

وعلى فرض صحة الحديث ، فليس المراد به المسائل الفقهية أو العقائدية، وإنما المراد بذلك مبايعة السلطان ، وعدم الخروج عليه ، فإنه لا يشترط لصحة إمامته أن ينعقد إجماع الأمة على إمامته. وإنما يكفي في هذا أن يبايعه أهل العلم ومن تقوم مصالح الإمامة ومقاصدها بمبايعتهم للسلطان .

قال ابن الأثير رحمه الله تعالى:

“(عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأعْظَم) أي جملة النّاس ومعظمهم؛ الّذين يجتمعون على طاعة السّلطان وسلوك النّهج المستقيم” انتهى من “النهاية” (2/419).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

“ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة: لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة، فإنه لو اعتبر ذلك، لم يكد ينعقد إجماع على إمامة؛ فإن الإمامة أمر معيّن، فقد يتخلف الرجل لهوى لا يُعلم…

بخلاف الإجماع على الأحكام العامة، كالإيجاب والتحريم والإباحة؛ فإن هذا لو خالف فيه الواحد أو الاثنان، فهل يعتد بخلافهما؟

فيه قولان للعلماء. وذكر عن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: لا يعتد بخلاف الواحد والاثنين، وهو قول طائفة، كمحمد بن جرير الطبري، والثاني: يُعتد بخلاف الواحد والاثنين في الأحكام. وهو قول الأكثرين.

والفرق بينه وبين الإمامة: أن الحكم أمر عام يتناول هذا وهذا، فإن القائل بوجوب الشيء، يوجبه على نفسه وعلى غيره، والقائل بتحريمه، يحرمه على نفسه وعلى غيره، فالمنازع فيه ليس متهما…

فالإجماع على إمامة المعين ليس حكما على أمر عام كلي، كالأحكام على أمر خاص معين…

فإنه لا يشترط في الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذين يقام بهم الأمر، بحيث يمكن أن يقام بهم مقاصد الإمامة.

ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ( عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة ).

وقال: ( إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد )…

وقال: ( عليكم بالسواد الأعظم، ومن شذ شذ في النار )” انتهى من “منهاج السنة” (8/ 335– 338).

والله أعلم.

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android
at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android