كتب عن الحِكَم في الأوامر والنواهي الشرعية

السؤال : 397145

22/12/2022
أعلم أنه إذا عرف الإنسان الحكمة الكامنة وراء النهي والأوامر في الإسلام، فإن إيمانه بالله تعالى يزيد، ويجب على المسلم أن يؤمن بالله تعالى فيما يتعلق بأوامره ونواهيه، لكن معرفة السبب المحتمل وراء ذلك يجعل المسلم مسلماً أفضل، لهذا أريد أن أسأل منكم قائمة بالكتب التي تتحدث عن الأسباب المحتملة للأوامر والنواهي وما إلى ذلك من الإسلام.

الجواب

من المتقرر أن الله سبحانه وتعالى له في كل أمر ونهي حكمة بالغة.

قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) النمل/6.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

“ أي: وإن هذا القرآن الذي ينزل عليك وتتلقفه وتتلقنه، ينزل من عند ( حَكِيمٍ ) يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. ( عَلِيمٍ ) بأسرار الأمور وبواطنها، كظواهرها. وإذا كان من عند ( حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) علم أنه كله حكمة ومصالح للعباد، من الذي هو أعلم بمصالحهم منهم" انتهى. "تفسير السعدي" (ص601).

ولذا فالشريعة كلها جاءت بتحقيق المصالح ونفي المفاسد.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجوه الحكم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان.

ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة...

وإذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدة بذلك، ناطقة به، ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة باديا على صفحاتها، مناديا عليها، يدعو العقول والألباب إليها، وأنه لا يجوز على أحكم الحاكمين ولا يليق به أن يشرع لعباده ما يضادها، وذلك لأن الذي شرعها علم ما في خلافها من المفاسد والقبائح والظلم والسفه الذي يتعالى عن إرادته وشرعه، وأنه لا يصلح العباد إلا عليها، ولا سعادة لهم بدونها البتة " انتهى من "مفتاح دار السعادة" (2/ 913 – 915).

لكن هذا لا يعني أن الله تعالى نص على الحكمة الخاصة بكل أمر ونهي، بل قد ابتلى عباده بدعوتهم إلى الطاعة والانقياد إلى شطر من أوامره مع إخفاء الحِكَم منها، ليظهر مدى الصدق في الاستسلام والانقياد لشرعه سبحانه وتعالى.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" الشيء المقدر بعدد لا يستطيع الإنسان غالبا أن يعرف حكمته، فكون الصلاة خمس صلوات أو خمسين لا نعلم لماذا خصصت بذلك؛ فهذا من الأمور التي يقصد بها التعبد لله، والتعبد لله بما لا تعرف حكمته أبلغ من التعبد له بما تعرف حكمته؛ لأنه أبلغ في التذلل.

صحيح أن الإنسان إذا عرف الحكمة اطمأنت نفسه أكثر، لكن كون الإنسان ينقاد لما لا يعرف حكمته، دليل على كمال الانقياد والتعبد لله عزوجل؛ فهو من حيث العبودية أبلغ وأكمل، أما ذاك؛ فهو من حيث الطمأنينة إلى الحكم يكون أبلغ؛ لأن النفس إذا علمت بالحكمة في شيء اطمأنت إليه بلا شك، وازدادت أخذا له وقبولا؛ فهناك أشياء مما عيّنه الشرع بعدد أو كيفية لا نعلم ما الحكمة فيه، ولكن سبيلنا أن نكون كما قال الله تعالى عن المؤمنين: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ). فعلينا التسليم والانقياد وتفويض الأمر إلى الله تعالى" انتهى من "القول المفيد" (1/536).

والذي ينبغي للمسلم أن يستدل بما يعلمه من الحِكَم على مالا يعلمه.

قال البعلي رحمه الله تعالى:

" وليس في الحكمة إطلاع فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وتأمل أحوال محال ذلك، واستدل بما علمه على ما لم يعلمه، وتيقن أن مصدر ما علم وما لم يعلمه لحكمة بالغة لا توزن بعقول المخلوقين، فقد وفق للصواب" انتهى من "مختصر الصواعق المرسلة" (ص 233).

ولعله لأجل خفاء حِكَم شطر معتبر من الأحكام الشرعية، بحيث لا يمكن التكلم فيها إلا بالتخمين والتكلّف، لم يتفرغ أهل العلم لتتبع الأوامر والنواهي الشرعية لاستخراج الحكم لكل واحد منها؛ فإذا ذكرنا هذا الموضوع، فلا يكاد يذكر فيه كتاب جامع إلا ما صنفه الشاه ولي الله الدهلوي، وهو كتابه "حجة الله البالغة".

ومن الكتب المتقدمة المفيدة في ذلك: كتاب "محاسن الشريعة" للقفال الشاشي.

وينظر تفسير الشيخ الأمين الشنقيطي، رحمه الله لقول الله تعالى: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) الإسراء/9 في كتابه "أضواء البيان".

وقلة المصنفات في هذا الباب لا تضر بإيمان المسلم؛ إذا نهج نهج السلف الصالح في معرفة الشرع، وذلك بالتفقه في نصوص الوحي والتدبر فيها، كما أمر الله تعالى:

(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ص (29).

فبه يزداد الإيمان.

قال الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الأنفال/2.

وأثناء تدبرك لنصوص الوحي بالاطلاع على تفاسير وشروحات أهل العلم، فستمر عليك جملة عظيمة من الحكم، مفرقة في هذه المصنفات.

وأما الحكم التي تتعلق بالخلق والتي حث الله تعالى على التفكر فيه، حيث قال الله تعالى:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران (190 – 191).

فمن أنفع الكتب في هذا الجانب، كتاب "مفتاح دار السعادة" لابن القيم رحمه الله تعالى.

والله أعلم.

المصدر:  

موقع الإسلام سؤال وجواب