هل يجوز لي أن أصلي وأنا أرتدي سماعات وأستمع فيها إلى ضوضاء بيضاء بدون موسيقى؛ للتخفيف من الإزعاج الخارجي؛ لأنني أتأثر كثيرًا بأي صوت حولي؟
أولاً:
الضوضاء البيضاء تكون مثل: (صوت الهواء أو المروحة أو المكيف أو الأمواج أو صوت الرحم مع الجنين) من بعيد، وفائدتها لمن يضع سماعتها: أن تصرفه عن الأصوات الأخرى، ويستعمله الطب أحياناً في تنويم الرضيع.
ثانياً:
الأصل ألا يضع المصلي شيئا في أذنه يمنعه من سماع الأصوات ، فإنه لم يرد – فيما نعلم – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل شيئا من ذلك ، لأن الغالب أن تكون تلك الأصوات يسيرة لا تشغل المصلي عن صلاته .
لكن .. إذا وُجد سبب، كأن تكون تلك الأصوات مزعجة، أو تستغرق وقتا طويلاً، بحيث تشغل المصلي عن صلاته، وتؤثر على خشوعه وحضور قلبه في الصلاة، فلا بأس حينئذ أن يضع المصلي في أذنيه شيئا يمنع من سماع الأصوات أو يقللها.
وقد يشرع فعل مفسدة ومحرم لدفع مفسدة أعظم، كخرق الخضر عليه السلام السفينة.
ويجوز فعل المكروه عند الحاجة؛ ويشبه هذا تغميض العينين في الصلاة، فإن السنة عدم تغميضهما، لكن لو وجد المصلي ما يشغله عن صلاته، فإنه يشرع له تغميض عينيه حينئذ حتى يقبل على صلاته.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة ، وقد تقدّم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أصبعه في الدعاء ولا يُجاوز بصره إشارته... وقد اختلف الفقهاء في كراهته... والصواب أن يُقال: إن كان تفتيح العين لا يُخلّ بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوّش عليه قلبه فهنالك لا يُكره التغميض قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم" انتهى من " زاد المعاد" (1/293)، وانظر: فتوى رقم: (399223).
ثالثا:
كل هذا ما لم يحصل ضرر طبي باستعمال سماعات للضوضاء البيضاء، لا سيما مع كثرة استعمال هذه السماعات، ويُرجع إلى الطب في ذلك.
رابعا : أما إذا لم يكن هناك سبب واضح للإزعاج، فلا تستعمل السماعات، واجتهد في التأقلم مع الأصوات التي حولك ، وادع الله تعالى، ومن الجيد استشارة طبيب نفسي.
والحاصل:
أن الأصل عدم استعمال هذه السماعات في الصلاة، ويجاهد المصلي نفسه في الإقبال على صلاته، وعدم الانشغال بما حوله.
فإن لم يمكنه أن يصلي في مكان ليس فيه ما يشغله ويقطعه عن صلاته، ولم يمكنه أن يصرف فكره عنها، فالذي يظهر أنه لا بأس باستعمال ما يحول بينه وبين هذه الأصوات؛ شريطة ألا ينشغل بما يخرج من هذه السماعات من أصوات، فيتلهى بها عن صلاته؛ فيكون قد أحدث أمرا في صلاته، الأصل عدمه؛ ثم لم يعد على صلاته منه إصلاح ولا منفعة.
وإذا كان مأموما؛ لم يشرع له وضع ذلك، لأنه يحول بينه وبين متابعة إمامه، وسماع قراءته، أو تكبيراته، فتكون مفسدة وضعه فوق ما يطلب من المصلحة.
والله أعلم.