الرد على من قال : إن العبد فاعل مجازا أو فاعل بقدرة غير مؤثرة
والحاصل :
أنه لا يمكن القول بأن العبد فاعل مجازا ؛ فهذا خلاف الشرع والمشاهدة، ويلزم عليه
لوازم قبيحة باطلة .
وقد ذهب بعض الناس إلى العبد
يفعل حقيقة بقدرة، لكن قدرته غير مؤثرة، وهذا باطل أيضا، وحقيقته رجوع إلى قول
الجبرية ، ويلزم عليه ما لزم على قول الجبرية ، حتى اعتبر الجويني رحمه الله القول
بأن قدرة العبد غير مؤثرة –وهو مذهب أصحابه الأشاعرة- تكذيباً للرسل ، وإلغاء
لأوامر الشرع.
قال رحمه الله: " الركن الأول: في قدرة العبد، وتأثيرها في مقدورها.
فنقول: قد تقرر عند كل حاطٍ بعقله، مُرَقى عن مراتب التقليد في قواعد التوحيد، أن
الرب سبحانه وتعالى مطالِبٌ عباده بأعمالهم في حياتهم، وداعيهم إليها، ومثيبهم
ومعاقبهم عليها في مآلهم، وتبين بالنصوص التي لا تنعرض للتأويلات أنه أقدرهم على
الوفاء بما طالبهم به، ومكنهم من التوصل إلى امتثال الأمر، والانكفاف عن مواقع
الزجر، ولو ذهبت أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام، ولا حاجة إلى ذلك مع
قطع اللبيب المنصف به .
ومن نظر في كتب الشرائع وما فيها من الاستحثاث على المكرمات، والزواجر عن الفواحش
الموبقات، وما نيط ببعضها من الحدود والعقوبات، ثم تلفّت على الوعد والوعيد، وما
يجب عقده من تصديق المرسلين في الإنباء عما يتوجه على المردة والعتاة من الحساب
والعقاب، وسوء المنقلب والمآب...
فمن أحاط بذلك كله ، ثم استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم
واقتدارهم، فهو مصاب في عقله، أو مستقر على تقليده، مصمم على جهله .
ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله: قطعُ طلبات الشرائع، والتكذيبُ بما
جاء به المرسلون...
ومن زعم ألا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها، كما لا أثر للعلم في معلومه، فوجهُ
مطالبة العبد بأفعاله عنده ، كوجه مطالبته أن يثبت في نفسه ألواناً وإدراكات، وهذا
خروج عن حد الاعتدال، إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرع، ورد ما جاء به
النبيون عليهم السلام" .
انتهى من "العقيدة النظامية" ، بتحقيق الكوثري، ص42، وما بعدها.
ونقل الشهرستاني عنه أن " إثبات قدرة لا أثر لها بوجه، فهو كنفي القدرة أصلاً" .
انتهى من " الملل والنحل "(1/98).
والله أعلم.
19,760