ماذا لو فبرك واضع الحديث سندا صحيحا ملفقا؟ بحيث من تتبع رجاله صحح السند؟ كيف نعرف المفبرك من الحقيقي إن كان الكذاب ذكيا ودارسا وعالما بالرجال، ومَنْ قابل مَنْ، ومَنْ مِنَ العدول، وانتقى أناسا تلاقوا، وعدولا، ويؤخذ منهم، وفبرك السند، ثم فبرك حديثا كاذبا من عقله، ونشره بين الناس؟
أنا لا أرى إلا الحفظ المتواتر حلا لهذه القصة، فهل هناك حفظ متواتر إلى يومنا هذا، وبإجازات بحيث يمنع من هذا الخبث؟
أعتقد أنه يجب علينا تحفيظ الأحاديث والأسانيد، وإعطاء إجازات فيها لحفظ الأسانيد والأحاديث من العبث.
أولا:
لم يتبيّن المقصود، من قولك: " ماذا لو فبرك واضع الحديث سندا صحيحا ملفقا ونشره بين الناس … أنا لا أرى إلا الحفظ المتواتر حلا لهذه القصة، فهل هناك حفظ متواتر إلى يومنا هذا وبإجازات".
إن كان المقصود الخوف من قيام أشخاص اليوم باختلاق أسانيد من عصرنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرها الصحة لمتون مكذوبة.
فنقول: هب أنا لم ننظر في دواوين السنة المعتبرة، ولم نتثبت من وجود الحديث في كتب أهل الإسلام، وهي خطوة أولية ضرورية للنظر في أي حديث يعرض لنا في زماننا؛ هب أنا تخطينا ذلك كله، فمن هذا الوضاع الذكي اللبيب؟! ما اسمه؟ وما صفته؟ وما حاله؟ ومن عرفه من العلماء؟ ومن زكاه، وصدقه؟
أما إن كان معروفا؛ فلن يكون إلا كذابا، مردود الرواية، ولا يسوي كلامه المكذوب شيئا.
وإن لم يكن معروفا عند أهل العلم، المعتنين بهذا الباب: فيكفي أنه "شخص مجهول"، لا تقبل روايته، ولا يعتمد عليها.
والواقع أن فرض السؤال: ساقط من أصله، وهو أشبه بالسفسطة، وخيالات المبرسمين، المجانين؛ منه بكلام العقلاء، ونظرهم، وفكرهم!!
فهذا الأمر بحمد الله تعالى لا خوف منه؛ لحفظ الله تعالى للسنّة، بأن ألهم سبحانه وتعالى أئمة وعلماء الحديث تدوين المصنفات الحديثية، والعناية بنقلها بدقة وضبط ثم العناية في عصرنا بطبعها طبعات منقحة ومحققة.
فمن قرون عديدة لم يعد الاعتماد في نقل السنة النبوية على الأسانيد المتأخرة، لمشقتها بسبب طولها، فيشق معها حفظها والتحقق من عدالة وضبط رواتها.
وإنما أصبح الاعتماد على النسخ المضبوطة لدواوين السنة، والمنقولة نقلا عاما فاشيا في العلماء.
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى المتوفي سنة (643 هـ):
" ثم إن الرواية بالأسانيد المتصلة: ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله: إثبات ما يروى بها، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته.
وإنما المقصود منها: إبقاء سلسلة الإسناد والتي خصت بها هذه الأمة زادها الله كرامة.
وإذا كان ذلك كذلك فسبيل من أراد الإحتجاج بحديث من صحيح مسلم وأشباهه: أن يتلقاه من أصل له، مقابل على يدي مقابلين ثقتين، بأصول صحيحة متعددة، مروية بروايات متنوعة ليحصل له بذلك - مع اشتهار هذه الكتب، وبعدها عن أن تقصد بالتبديل والتحريف - الثقة بصحة ما اتفقت عليه تلك الأصول.
ثم لما كان الضبط بالكتب معتمدا في باب الرواية، فقد تكثر الأصول المقابل بها، كثرة تتنزل منزلة التواتر أو منزلة الاستفاضة " انتهى. "صيانة صحيح مسلم" (ص 115).
وعلّق عليه النووي بقوله رحمه الله تعالى:
"وهذا الذي قاله: محمول على الاستحباب والاستظهار؛ والا فلا يشترط تعداد الأصول والروايات، فان الأصل الصحيح المعتمد يكفي، وتكفي المقابلة به والله اعلم " انتهى. "شرح صحيح مسلم" (1 / 14).
ثم في عصرنا أصبحت الأسانيد إلى تلك المصنفات غير لازمة، بل يكتفى بما يوجد من نسخ صحيحة لدواوين السنة، فيعتنى بتحقيقها وطباعتها طباعة صحيحة منقحة.
كما جاء في" فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء":
" يوجد عند بعض العلماء أسانيد تصلهم بدواوين السنة، لكن ليست لها قيمة؛ لطول السند، وجهالة الكثير من الرواة عدالة وضبطا.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبد الله بن قعود … عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى. "فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى" (4 / 294).
فلو وجد في عصرنا هذا، من يختلق متنا، ويصنع له إسنادا ظاهره الصحة، فسيردّ بكل سهولة لخلو دواوين السنة منه؛ لأن صحة الخبر لا يكفي لتحققها صحة ظاهر الإسناد وثقة رواته، بل يشترط لها أيضا خلو الخبر من الشذوذ والعلة.
قال ابن الملقن رحمه الله تعالى:
" فالصحيح المجمع عليه:
ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين، من غير شذوذ ولا علة " انتهى. "المقنع" (1 / 42).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
" وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحته؛ فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور؛ منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته، وأن لا يكون راويه قد خالف الثقات أو شذ عنهم " انتهى. "الفروسية" (ص 186).
ومن الشذوذ والعلة، أن يتفرد الراوي، ممن لم يبلغ الإمامة في الرواية، بإسناد ومتن لم يروه غيره.
قال أبو داود رحمه الله تعالى:
" والأحاديث التي وضعتها في "كتاب السنن" أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس.
والفخر بها: أنها مشاهير؛ فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم.
ولو احتج رجل بحديث غريب، وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به، إذا كان الحديث غريبا شاذا.
فأما الحديث المشهور، المتصل الصحيح: فليس يقدر أن يرده عليك أحد " انتهى. "رسالة أبي داود إلى أهل مكة" (ص 29).
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى:
"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين: فإنهم يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه؛ إنه لا يتابع عليه. ويجعلون ذلك علة فيه.
اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتُهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه.
وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا.
ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " انتهى. "شرح علل الترمذي" (2/ 582).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد: لفظ المنكر، على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده " انتهى. "النكت" (2 / 674).
فالغرابة والتفرد، يجرح بها هذا المتفرد بالخبر، خاصة إذا أكثر من ذلك وعرف به.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
" وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عُرِضت روايته للحديث، على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايتُه روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله... " انتهى. "مقدمة صحيح مسلم" (1 / 6).
فالحاصل؛ أن المدعي لإسناد وخبر، غير موجودين في دواوين السنة: مجرد هذه الدعوى، كافية للحكم بكذبه، أو تخليطه ووساوسه!! لا أن "رُهاب" الحديث الجديد يصيب السامعين، ويلتبس عليهم دينهم، كلما جاء كذاب، موسوس، ووضع لهم أكذوبة، تسري بينهم؛ هذا: شغل خيالات، وأوهام.
ثانيا:
وإن كان المقصود من كلامك: الحث على الحفظ، لئلا يغتر أحد بأسانيد مختلقة، وهي موجودة الآن في دواوين السنة؛ فلا تحتاج إلى هذه الخيالات "الكرتونية" والافتراضات العبثية، ونقول لك:
قر عينا يا عبد الله، واعلم أن حفظ للسنة في الصدور وإن كان من الأمور الفاضلة، ومن أهم طرق طلب علم السنة وتحصيله، إلا أنّ تمييز الأسانيد المختلقة والمكذوبة، لمتون غير صحيحة كليّا، أو بزيادة أو نقص في المتون الثابتة، إنما يتحقق هذا التمييز بأمرين:
الأمر الأول: بالنظر في الرواي ودراسة مروياته.
قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى:
" وكان الأئمة يعتبرون حديث كل راو، فينظرون كيف حدّث به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يحدِّث مرة كذا، ومرة كذا، بخلاف لا يُحتمل: ضعَّفوه، وربما سمعوا الحديث من الرجل، ثم يدعونه مدة طويلة، ثم يسألونه عنه.
ثم يعتبر حرف مروياته، برواية من روى عن شيوخه، وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف رواية الثقات، حكموا عليه بحسبها.
وليسوا يوثِّقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مرّ، وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطيء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا " انتهى. "الأنوار الكاشفة" (ص 81).
وقد قام أئمة الحديث بتتبع غالب الرواة ومروياتهم وتمييز الثقات من الضعفاء والكذابين.
قال ابن عدي رحمه الله تعالى:
" وقد أقام الله عز وجل قوما من صحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، والتابعين بعدهم، وتابعي التابعين، وإلى يومنا هذا: من يبين أحوالهم، وينبه على الضعفاء منهم، ويعتبر رواياتهم ليعرف بذلك صحيح الأخبار من سقيمها...
وهم في المرتبة التي يُسْمَع ذلك منهم، ويقبل قولهم فيهم، لمعرفتهم بهم، إذ هو علم يدق، ولا يحسنه إلا من فهمه الله ذلك " انتهى. "الكامل في ضعفاء الرجال" (1 / 78).
وقد صنفت في هذه الباب مصنفات عدة مشهورة معروفة.
الأمر الثاني:
أن تجمع جميع المرويات التي لها علاقة برواية الراوي، المراد التحقق منها، ويقارن بينها، حتى يعرف: هل تفرد بروايته أو شاركه فيها غيره، وهل وافق الثقات أو زاد أو أنقص أو غيّر.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
" والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري أو غيره من الائمة، بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى. فيرويه آخر سواهم، عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه؛ فيخالفهم في الاسناد، أو يقلب المتن، فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ= فيُعلمَ حينئذ: أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وان كان حافظا.
على هذا المذهب: رأينا أهل العلم بالحديث، يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينه ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم.
وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ، وخطأ المحدثين في الروايات: ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إن شاء الله... " انتهى. "التمييز" (ص 172).
وقال رحمه الله تعالى:
" فبجمع هذه الروايات، ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الاخبار من أضدادهم من الحفاظ " انتهى. "التمييز" (ص 209).
وقال الخطيب رحمه الله تعالى:
" والسبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " انتهى. "الجامع" (2 / 295).
الخلاصة:
حفظ الأسانيد من الوسائل المفيدة في حفظ السنة وفهمها، خاصة لمن قويت حافظته، وكذا سماع دواوين السنة على أصحاب الاجازات هو مما يتشرف به طالب السنّة.
لكن هذا كله ليس هو السبيل لمعرفة الراوي الضعيف والكذاب، والمختلق للأسانيد والمتون، وتمييز الأخبار الصحيحة من الضعيفة والموضوعة، وإنما سبيل معرفة كل هذا يتحصل بوضع الرواية المدروسة تحت مجهر النقد، بالنظر في كلامة الأئمة في رواة أسانيدها، وكذا مقارنة هذه الرواية بغيرها، وفق أصول النقد التي اتفق عليها أئمة الحديث ونقاده.
قال السخاوي رحمه الله تعالى:
" فالله تعالى، بلطيف عنايته: أقام لعلم الحديث رجالا نقادا، تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين.
فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع = يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله " انتهى. "فتح المغيث" (2 / 68).
والله أعلم.