تنزيل
0 / 0
348311/04/2023

تشابه وضع اليدين في الصلاة مع أحد الحضارات السومرية!

السؤال: 427667

يقول أحد الأشخاص ـ لا أدري عن ديانته ـ أن طقوس الصلاة وتحديداً التكتف في الصلاة كان موجود من عهد الحضارة السومرية، وأثبت هذا في إحدى الصور للتماثيل التي كانت في عهد الحضارة السومرية، ويقول: إن الإسلام قلَّد حركة السومريين، وجعلها في الصلاة، فما ردكم ورأيكم في هذا؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

هذه طريقة مألوفة للتشكيك في الدين، وصاحبها يحاول أن يشكك في الدين عن طريق إيجاد تشابهات بينه وبين أديان أو حضارات سابقة، ثم يزعم أن الدين أخذ مواضع التشابه هذه، وصنع منها بنيته، وأن هذه البنية ليست وحيًا من الله.

والحقيقة أن هذه الطريقة طريقة ضعيفة جدًا من الناحية العقلية المنطقية، وذلك لأمور:

الأول: أن الحركات البدنية التي يفعلها الناس حركات محدودة، فلو جلست أنت مثلًا جلسة عفوية، ووضعت يدك فوق فخذك، ما مدى منطقية ادعاء من يقول لك: أنت تمارس اليوجا؟

هذا الادعاء سيكون ضعيفًا جدًا من الناحية المنطقية، لأنه يقوم على وجود تشابه عرضي في فعل إنساني قابل للتشابه والتكرار، بدون معرفة منك بأي طقس من طقوس اليوجا أصلا؛ فضلا عن قصدك لممارستها.

فعقد اليدين في الصلاة، هو واحد من خيارات محدودة أصلًا لوضع اليدين، فلا دليل من الناحية المنطقية على أن هذا التشابه بين الإسلام، وحركة عبادية عند السومريين، هو نتاج أخذ مقصود لوضعية سابقة، بل الأكثر منطقية أن يكون تشابهًا عرضيًا، لأننا نتكلم عن حركات بدنية مشتركة بين الناس على اختلاف أعراقهم وأجناسهم، لذلك ستجد ثقافات عدة تربع قدميها عند الجلوس للطعام، من غير أن يكون بعضهم أخذ من بعض، فتوافقات الحركات البدنية لا تحتاج أصلا لأن يأخذها الدين من حضارات سابقة.

الثاني: أن الدين الحق الذي أوحى الله به لأنبيائه منذ نزول آدم على الأرض؛ سابق لهذه الحضارات كلها، وما من حضارة من هذه، إلا وأرسل فيها نبي، أو كان فيها بقايا دعوة نبي، مصداقًا لقوله سبحانه: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير فاطر/24.

فالأقرب من الناحية المنطقية: أن تكون هذه الحركات العبادية الموجودة عند السومريين أو الفراعنة أو غيرهم من أهل الحضارات السابقة؛ مأخوذة من بقايا دين حق أوحى الله به لهذه الأمم، وبالتالي فالإسلام هو امتداد لرسالات الأنبياء، وهو الرسالة الخاتمة للوحي الإلهي الذي أوحى الله به للأنبياء ليبلغوه للأمم عبر القرون.

وحينها فالتشابهات بين الإسلام وبين الأمم والحضارات والثقافات السابقة، هو في الحقيقة نتاج وجود مصدر إلهي واحد ومشترك بينها، ولذلك يوجد توافقات بين الإسلام وكتاب اليهود والنصارى المقدس، رغم تحريفه؛ لأنه رغم التحريف توجد فيه بقايا من الدين الحق، ويوجد مصدر إلهي واحد لهذه البقايا من الدين الحق وللإسلام، وهذا المصدر الإلهي هو سبب وجود التشابهات.

والله سبحانه لم يرسل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام برسالة منفصمة ومنفصلة عن رسالات الأنبياء، بل رسالة نبينا مكملة ومتممة ومهيمنة على الرسالات السابقة، وليست منفصلة عنها.

الثالث: أن نبي الإسلام محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام: ابن بيئته، ولم يذكر أحد حتى من خصوم الإسلام زمن النبوة، أنه كان يسافر أو كان يطالع أخبار الحضارات القديمة، فكيف إذن سيقتبس منها؟

وهذه الحجة قوية جدًا، وهي الحكمة من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أميًا، لا نظر له في كتب وأحوال وأخبار السابقين، فدعوى أنه اقتبس رسالته من حضارات أو رسالات سابقة، هي دعوى يدحضها حاله عليه الصلاة والسلام، وهي الحال المتفق عليها، التي لا ينكرها حتى أعداء النبي عليه الصلاة والسلام.

ولما قال كفار قريش للنبي إنما يعلمه بشر لأنهم يعلمون أنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة. فرد عليهم الله تعالى فقال: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ النحل/103.

أي إنه يُفترض أن يكون هذا البشر أعجميا، لأنه في هذا الوقت لم يكن هناك كتب مترجمة للعربية من هذه الحضارات والديانات، وأنتم يا كفار قريش لا ترون حولكم أعجميًا يعلم محمدًا عليه الصلاة والسلام.

وأيضًا فلم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام التقى بأحد من هذه الحضارات والديانات، فمن أين جاءت هذه المعلومات؟

وقال الله تعالى في كتابه: وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ العنكبوت/48.

والحقيقة: أننا لو مددنا خط هذه الشبهة للنهاية، سنرى أعداء الإسلام يذكرون أن الإسلام اقتبس من اليونان والرومان والسريان والسومريين والفراعنة والزردشتيين واليهود والنصارى، والحقيقة أنه لا طاقة لبشر في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أن يُلم بهذا كله، ليؤلف منه دينًا، ثم يكون دينًا متسقًا محكمًا يدخل فيه الناس أفواجًا، بينما هو أمي لا يحسن القراءة ولا الكتابة، ولا يُعرف له لقاء بهذه الأمم كلها.

فهل اقتبس النبي محمد عن اليهود أم اقتبس عن النصارى أم اقتبس عن المجوس أم اقتبس عن أرسطو وفلاسفة اليونان أم اقتبس عن حكماء الرومان أم عن غيرهم؟

 لطالما ادعى غير المسلمين أن النبي محمد انتحل هذه القصة من هنا، وهذا التشريع من هناك وهم يريدون تكذيبه، وما يزيدنا فعلهم إلا تصديقا وإيمانا برسالته، فهذا مما يثبت نبوته ويؤكدها، إذ لو كانت احتمالية نقله واقتباسه عن دين من الأديان أضعف ما يكون، لاعتبارات اللغة حيث كانت كتب ومعارف الأديان بغير العربية ، وأمّية النبي وعدم قدرته على القراءة والكتابة بالعربية فضلا عن اللغات الأخرى، وعدم توافر مصادر التعلم والدراسة،  واستئثار رجال الدين بكل مصادر المعرفة الدينية واحتكارهم لها، وعدم إمكانية الحصول على معرفة مفصلة  إلا من خلال الانتظام في سلك كهنوتي أو علمائي معين يستغرق سنينا وعقودا، فضلا عن وجود اختلافات كبيرة وجذرية  = فإن احتمالية نقله واقتباسه عن هذه الأديان والثقافات مجتمعة : أبعد وأبعد، بل ذلك أمر مستحيل عند من أنصف.
يقول الدكتور عبد الله دراز رحمه الله، في كلام محرر ماتع له:

“هل كان في العلماء يومئذ من يصلح أن تكون له على محمد وقرآنه تلك اليد العلمية؟

يقول الملحدون أنفسهم: “إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل”.

وهذه كلمة حق في حدود معناها الصحيح فنحن نأخذهم باعترافهم وندعوهم إلى استجلاء تلك الصورة التي حفظها القرآن في مرآته الناصعة مثالا واضحا لعلماء عصره.

فيقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ وما فيهما من المحاورة لعلماء اليهود والنصارى في العقائد والتواريخ والأحكام، أو ليقرأوا ما شاءوا من السور المدنية أو المكية التي فيها ذكر أهل الكتاب، ولينظروا بأي لسان يتكلم عنهم القرآن، وكيف يصور لنا علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الضلالات والخرافات، وأعمالهم بأنها الجرائم والمنكرات….

لنعد مرة أخرى فنسأل: هل كان علم العلماء يومئذ مبذولا لطالبيه مباحا لسائليه؟ أم كان حرصهم على هذا العلم أشد من حرصهم على حياتهم، وكانوا يضنون به حتى على أبنائهم استبقاء لرياستهم، أو طمعا في منصب النبوة الذي كانوا يستشرفون له في ذلك العصر…

ونعود للمرة الثالثة فنقول لمن يزعم أن محمدا كان يعلمه بشر: قل لنا ما اسم هذا المعلم! ومن ذا الذي رآه وسمعه؟ وماذا سمع منه؟ ومتى كان ذلك؟ وأين كان؟

فإن كلمة “البشر” تصف لنا هذا العالم الذين يمشون على الأرض مطمئنين؛ ويراهم الناس غادين ورائحين، فلا تسمع دعواها بدون تحديد وتعيين، بل يكون مثل مدعيها كمثل الذين يخلقون لله شركاء لا وجود لهم إلا في الخيال والوهم. فيقال له كما قيل لهم: قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول.
بل نقول: هل ولد هذا النبي في المريخ، أو نشأ في مكان قصي عن العالم، فلم يهبط على قومه إلا بعد أن بلغ أشده واستوى، ثم كانوا بعد ذلك لا يرونه إلا لماما؟ ألم يولد في حجورهم؟ ألم يكن يمشي بين أظهرهم يصبحهم ويمسيهم؟ ألم يكونوا يرونه بأعينهم في حله ورحيله؟

أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون نعم؛ إن قومه قد طوعت لهم أنفسهم أن يقولوا هذه الكلمة: إنما يعلمه بشر ولكن هل تراهم كانوا في هذه الكلمة جادين، وكانوا يشيرون بها إلى بشر حقيقي عرفوا له تلك المنزلة العلمية؟ كلا؛ إنهم ما كان يعنيهم أن يكونوا جادين محقين، وإنما كان كل همهم أن يدرءوا عن أنفسهم معرة السكوت والإفحام، بأية صورة تتفق لهم من صور الكلام: بالصدق أو بالكذب، بالجد أو باللعب.

وما أدراك من هو ذلك البشر الذي قالوا: إنه يعلمه؟ أتحسب أنهم اجترأوا أن ينسبوا هذا التعليم لواحد منهم؟ كلا؛ فقد رأوا أنفسهم أوضح جهلا من أن يعلموا رجلا جاءهم بما لم يعرفوا هم ولا آباؤهم.

أم تحسب أنهم لما وجدوا أرض مكة مقفرة من علماء الدين والتاريخ في عهد البعثة المحمدية عمدوا إلى رجل من أولئك العلماء في المدينة أو في الشام أو غيرهما فنسبوا ذلك التعليم إليه؟

كلا؛ إن ألسنتهم لم تطاوعهم على النطق بهذه الكلمة أيضا. فمن ذا، إما لا… ؟

لقد وجدوا أنفسهم مضطرين أن يلتمسوا شخصا يتحقق فيه شرطان:

أحدهما: أن يكون من سكان مكة نفسها لتروج عنهم دعوى أنه يلاقيه ويملي عليه بكرة وأصيلا.

وثانيهما: أن يكون من غير جلدتهم وملتهم ليمكن أن يقال: إن عنده علم ما لم يعلموا.

وقد التمسوا هذ الأوصاف فوجدوها، أتدري أي وجدوها؟ في حداد رومي!! نعم، وجدوا في مكة غلاما تعرفه الحوانيت والأسواق، ولا تعرفه تلك العلوم في قليل ولا كثير، غير أنه لم يكن أميا ولا وثنيا مثلهم، بل كان نصرانيا يقرأ ويكتب، فكان من أجل ذلك خليقا في زعمهم أن يكون أستاذا لمحمد، وبالتالي أستاذا لعلماء اليهود والنصارى والعالم أجمعين، ولئن سألتهم هل كان ذلك الغلام فارغا لدراسة الكتب وتمحيص أصيلها من دخيلها، ورد متشابهها إلى محكمها، وهل كان مزودا في عقله ولسانه بوسائل الفهم والتفهيم.. لعرفت أنه كان حدادا منهمكا في مطرقته وسندانه، وأنه كان عامي الفؤاد لا يعلم الكتاب إلا أماني، أعجمي اللسان لا تعدو قراءته أن تكون رطانة لا يعرفها محمد ولا أحد من قومه، لكن ذلك كله لم يكن ليحول بينه وبين لقب الأستاذية الذي منحوه إياه على رغم أنف الحاسدين!..” “النبأ العظيم” ص/88-94

وينظر جواب هذا السؤال: (257649).

ويراجع ما نقلناه عن العلامة د. محمد عبد الله دراز في جواب السؤال رقم: (421237) ، ويراجع الجواب برمته، فهو مهم في الرد على هذه التشكيكات وأمثالها.

والله أعلم

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android