تنزيل
0 / 0
218702/03/2024

إذا كان العقل سابقًا على النقل، فلم لا يكون مقدمًا عليه؟

السؤال: 487642

قال بعضهم في تقديم العقل على النقل، وقال لي: بماذا عرفنا وجود ربنا أولا؛ أي أول شيء عرفنا به وجود الله تعالى، إذا قلنا بالعقل فقد قدمناه على النق،ل وإذا قلنا بالفطرة فالفطرة شيء عقلي أيضا، وقد قدمنا العقل على النقل هنا أيضا، فما صحة هذا الكلام؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

أولًا:

العقل هو فعل يمارسه الإنسان لاستقبال ومعالجة وتحليل المعلومات، سواء كانت هذه المعلومات نابعة من داخله، كإحساسه بالجوع، أو نابعة من خارجه، كإحساسه بصلابة الحديد، أو معرفته بوجود متكلم خلف الجدار، من خلال تعقله لصدور كلام آت من خلف الجدار.

ثانيًا:

إذا ثبت أن التعقُّل فعل يمارسه الإنسان، فهو إذن كأي فعل آخر، يمكن أن يمارسه الإنسان بشكل صحيح ودقيق، ويمكن أن يمارسه بشكل غير صحيح ولا دقيق، وتتأثر صحة ودقة عملية التعقل بعوامل شتى؛ منها دقة إدراك الحواس للمعلوم الخارجي، ومنها سير العقل على قواعد الاستدلال السليم، ومنها مواهب وقدرات ومهارات الإنسان الممارس لفعل التعقل.

ولولا هذا لما رأينا أناسًا لهم عقول، بل ولهم قدرات وعلوم دقيقة، ورغم ذلك يعبدون البقر، أو يسفسطون فينكرون وجود المحسوسات، أو ينكرون العلوم الثابتة القطعية، مثل كروية الأرض.

فظهر من كل ذلك: أن العقل أداة، وفعل؛ يعرض له ما يعرض للأدوات والأفعال من السلامة، ومن العطب.

وينظر للأهمية جواب السؤال رقم: (428071)، ورقم: (249296).

ثالثًا:

تتركب أدلة وجود الله: من عمليات شتى؛ منها مثلًا: إدراك الحواس للعالم الخارجي، ثم ارتكاز عملية التعقل على قانون بدهي أولي، كقانون السببية، ثم البناء على هذا القانون أن هذه المخلوقات التي أدركناها بحواسنا لا بد لها من موجد أحدثها وخلقها بعد أن لم تكن، فالذي أثبت وجود الله لنا في هذه الصورة هو ممارسة عقلية سليمة، انطلقت من المحسوس المشاهد، إلى الغيب غير المشاهد، بواسطة قانون من قوانين التعقل الأولية، وهو ما يعود في حقيقته إلى ما عرفه المتكلمون الأوائل بصيغة : "قياس الغائب على الشاهد".

وبالتالي؛ فليس هاهنا شيء مبهم اسمه العقل، وإنما الذي أمامنا هنا هو عملية تعقل سليمة مستوفية لشروطها، استطعنا بها تحصيل إدراك ذاتي لوجود الله، فالله عز وجل موجود بالفعل، وليس هذا الدليل هو ما أوجده، غاية ما استفدناه من هذا الدليل هو تحصيل الإدراك الذاتي.

وتتابع الأدلة بنفس الشكل لتثبت صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وسلامة رسالته من التحريف إلى آخر أصول الدين ذات الأدلة العقلية.

رابعًا:

إذا اتضح ما تقدم؛ فليس هذا تقديمًا للعقل، وإنما هو استعمال لعملية التعقل من أجل إدراك وجود الله السابق للعقل، وللخلق كله، ومن أجل تحصيل إدراك ذاتي لصدق الرسول والرسالة، وهما (الرسول والرسالة): أمران خارجيان موجودان، سواء حصلنا نحن الإدراك الذاتي لهما، أم لم نحصله.

وهذا مثال يتضح به الأمر: عندما أقرأ القرآن؛ بماذا يحصل إدراكي للنص القرآني؟

الجواب: بحاسة البصر مثلا. فهل يعني هذا تقديم الحس على النقل؟

الجواب: لا، بل هذا كلام لا معنى له؛ فالحس هنا مجرد أداة، وفعل، وظفته لتحصيل إدراك ذاتي لما هو موجود وثابت أصلا.

مثال آخر: كيف بنى العقل دليله على وجود الله؟

الجواب: بناه على إدراكات الحواس. فهل يعني هذا تقديم الحواس على العقل، لأن الحس مقدم على العقل، والعقل إنما ينظر فيما وفره له الحس من معلومات؟

هل يصح لأحد تقديم الحس على العقل، بحيث إذا تعارضت حاستي مع تعقلي، قدمت حاستي، فلو سمعت جدارًا يحدثني (نتيجة لتوهم أو مرض أو نحو ذلك)؛ هل أتجاهل الثابت العقلي القاضي باستحالة نطق الجماد؟

الجواب، في هذا كله: لا؛ قطعا، بل ليس هناك تعارض – صحيح – أصلا؛ بين الحس، إذا كان سليما، لا آفة به؛ وبين العقل، متى كان صحيحا، يسير في عملية "تعقله" سيرا صحيحا.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (227596 ).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في رده على "الرازي" ومن وافقه من المتكلمين:

" قوله: إن قدمنا النقل كان ذلك طعناً في أصله الذي هو العقل، فيكون طعناً فيه غير مسلم.

وذلك لأن قوله: إن العقل أصل للنقل إما أن يريد به: أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر.

أو أصل في عملنا بصحته.

والأول لا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت، سواء علمنا بالعقل او بغير العقل ثبوته، أو لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره، إذ عدم العلم ليس علماً بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسنا فما أخبر به الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه.

ومن أرسله الله تعالي إلي الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق، وإن لم يصدقه الناس، وما أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس، فثبوت الرسالة في نفسها وثبوت صدق الرسول، وثبوت ما اخبر به في نفس الأمر: ليس موقوفاً علي وجودنا، فضلاً عن أن يكون موقوفاً علي عقولنا، أو علي الأدلة التي نعلمها بعقولنا.

وهذا كما أن وجود الرب تعالي وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر، سواء علمناه أو لم نعلمه.

فتبين بذلك أن العقل ليس أصلاً لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطياً له صفة لم تكن له، ولا مفيداً له صفة كمال، إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم، تابع له، ليس مؤثراً فيه" انتهى، من "درء تعارض العقل والنقل" (1/87-88)، وينظر: "مختصر الصواعق المرسلة" لابن القيم (1/99-100).

خامسًا:

ممارسات فعل التعقل، وإنتاج معقولات منه: لا يعني أن هذه الممارسات والمعقولات الناتجة منها ستكون على رتبة واحدة، وصحة بعضها لا يعني أن باقي عمليات التعقل لا تخطيء، وخطأ بعضها لا يعني أن باقي عمليات التعقل لا صواب فيها؛  فالمقصود بالعقل من الناحية العلمية المنهجية ليس مطلق الدليل العقلي، وإنما دليل عقلي معين، له مقدمات مخصوصة، رُتبت بطريقة مخصوصة، بحيث تفضي إلى نتيجة سليمة، أو غير سليمة، بحسب سلامة المقدمات.

 يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "واعلم أن أهل الحق لا يطعنون في جنس الأدلة العقلية، ولا فيما عَلم العقل صحته؛ وإنما يطعنون فيما يدعي المعارض أنه يخالف الكتاب والسنة" انتهى، من "درء تعارض العقل والنقل" (1/194).

فمحل النزاع إذا بين الأدلة العقلية التي يدعي المعارض أنها مخالفة للكتاب والسنة، لا ما يظنه من يظنه من الناس؛ من أن النزاع بين جنس الأدلة العقلية، وجنس الأدلة النقلية.

وعليه؛ فوجود أدلة عقلية صحيحة: هذا مما نقره، ولا ننفيه؛ وثبوته لا يجعل العقل مقدما على النقل كما سبق بيانه، فالإلزام الوارد في نص السؤال غير صحيح.

سادسًا:

الدليل العقلي عند المتكلمين: ما كانت مقدماته عقلية محضة، والدليل النقلي عندهم: ما كانت الدلالة ليست عقلية محضة؛ أي إن مقدماته ليست كلها عقلية، بل هي مركبة من العقليات والنقليات. ومأخذهم في ذلك هو تقسيم أصول الدين إلى سمعيات وعقليات، وجعلوا الأدلة النقلية خاصة بالسمعيات دون العقليات، وأن النقل لا يصح أن يوجد في مقدمات الدليل، لأنه لا يفيد اليقين. فحصروا أدلة الكتاب والسنة في جانب السمعيات، وقرروا أن العقليات لا تستفاد من الكتاب والسنة. وهم بهذا غفلوا عن أن الكتاب والسنة كما جاءا بالدلائل السمعية المتوقف في العلم بصحتها على العلم بصدق المخبر بها؛ فقد جاءا، كذلك بالدلائل العقلية اليقينية، على سائر الأصول الاعتقادية الشرعية التي يمكن أن تعلم بالعقل، من غير أن تكون هذه الدلائل العقلية مستندة في حجيتها إلى العلم بصحة النقل، فهي دلائل مطلقة، وحجة بذاتها لا تستند إلى غيرها. وإنما يتعلق النقل بها من جهة التنبيه والإرشاد إليها والتذكير بها والدلالة عليها لا غير، ولذا يصح الاحتجاج بها على المصدق بالرسالة وغير المصدق بالرسالة؛ فالجميع سواء بالنسبة لحجيتها.

فإذا اعترض معترض بعدم إيمانه بصدق النقل، نقول له: ما احتججنا عليك بالوحي من جهة أنه وحي من الله يجب تصديقه والأخذ بمقتضاه، هذا ليس وجه الإلزام في احتجاجنا، وإنما احتجاجنا عليك بحجة عقلية محضة، وجه الإلزام فيه عقلي محض، دلنا عليه  الله في كتابه، وما ابتدعناه من عند أنفسنا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار، مثل الإقرار بوجود الخالق وبوحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وعظمته، والإقرار بالثواب وبرسالة محمد وغير ذلك: مما يعلم بالعقل؛ قد دل الشارع على أدلته العقلية" انتهى، من "مجموع الفتاوى" (19/230).

وقال أيضا: "إن القرآن ضرب الله فيه الأمثال، وهي المقاييس العقلية التي يثبت بها ما يخبر به من أصول الدين " انتهى، من "التسعينية" (3/985)

وفي موضع آخر يقول: "فاستفادتهم ذلك – أي الأدلة العقلية- من كلام الله أكمل وأفضل" انتهى، من "درء تعارض العقل والنقل" (8/37).

فاشتمال النقل على الأدلة العقلية الدالة على المطالب الإلهية: أمر ثابت لا ريب فيه، وهي أقرب وأنفع من الطرق التي سلكها المتكلمون، فالوحي أرشد إلى أمهات المطالب في هذه المسألة وغيرها، يقول ابن تيمية: "وخلاصة ما عند أرباب النظر العقلي في الإلهيات من الأدلة اليقينية والمعارف الإلهية: قد جاء به الكتاب والسنة، مع زيادات وتكميلات لم يهتد إليها إلا من هداه الله بخطابه" انتهى، من "منهاج السنة النبوية" (2/110).

وينظر للفائدة: "درء تعارض العقل والنقل" (1/27) وما بعدها، "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العز (1/36-42).

وبهذا يتبين غلط الحصر الوارد في جعل الأدلة العقلية الدالة على وجود الله خارجة عن النقل، وعليه فسقوط الاستدلال بهذا على تقديم العقل على النقل: أمر واضح لا مرية فيه.

سابعًا:

هذا الإيراد المذكور: ليس شيئا جديدا، وليس شيئا جادا، أيضا. فهذا السؤال دائر في كتب أهل الكلام، وهو من أعظم مثارات غلطهم في هذا الباب، وقد أجاب عنه أهل السنة ونظارهم من قديم.

وهو منقوض، ومعارض بما هو أصح، وأولى منه في العقول السليمة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في معرض ردوده العظيمة على القائلين بهذا القانون:

" ‌‌‌الوجه ‌السادس: أن يقال:

إذا تعارض الشرع والعقل: ‌وجب ‌تقديم ‌الشرع، لأن العقل مصدِّق للشرع في كل ما أخبر به، والشرع لم يصدق العقل في كل ما أخبر به، ولا العلم بصدقه موقوف علي كل ما يخبر به العقل.

 ومعلوم أن هذا إذا قيل أوجه من قولهم: كما قال بعضهم: يكفيك من العقل أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه.

وقال بعضهم: العقل مُتَوَلٍّ، ولي الرسول، ثم عزل نفسه؛ لأن العقل دل علي أن الرسول صلي الله عليه وسلم يجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر. والعقل يدل علي صدق الرسول دلالة عامة مطلقة.

وهذا كما أن العامي إذا علم عين المفتي، ودَل غيره عليه، وبين له أنه عالم مفتٍ، ثم اختلف العامي الدال، والمفتي: وجب علي المستفتي أن يقدم قول المفتي.

فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله علي قولي عند التعارض، قدحت في الأصل الذي به علمت بأنه مفت؟

قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفتٍ، ودللتَ علي ذلك؛ شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، كما شهد به دليلك، وموافقتي لك في هذا العلم المعين، لا يستلزم أني أوافقك في العلم بأعيان المسائل، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي، الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، وأنت إذا علمت أنه مفت باجتهاد واستدلال، ثم خالفته باجتهاد واستدلال؛ كنت مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي خالفت به من يجب عليك تقليده واتباع قوله، وإن لم تكن مخطئاً في الاجتهاد والاستدلال الذي به علمت أنه عالم مفت يجب عليك تقليده.

هذا مع علمه بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول صلي الله عليه وسلم معصوم في خبره عن الله تعالي، لا يجوز عليه الخطأ؛ فتقديمه قول المعصوم، علي ما يخالفه من استدلاله العقلي؛ أولي من تقديم العامي قولَ المفتي، علي قوله الذي يخالفه.

وكذلك أيضاً: إذا علم الناس وشهدوا أن فلاناً خبير بالطب أو القِيافة أو الخَرْص أو تقويم السلع ونحو ذلك، وثبت عند الحاكم أنه عالم بذلك دونهم، أو أنه أعلم منهم بذلك، ثم نازع الشهود الشاهدون لأهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم، أهلَ العلم بذلك؛ وجب تقديم قول أهل العلم بالطب والقيافة والخرص والتقويم، على قول الشهود الذين شهدوا لهم، وإن قالوا: نحن زكينا هؤلاء، وبأقوالنا ثبتت أهليتهم، فالرجوع في محل النزاع إليهم دوننا يقدح في الأصل الذي ثبت به قولهم.

كما قال بعض الناس: إن العقل مزكي الشرع، ومعدله، فإذ قُدم الشرع عليه، كان قدحاً فيمن زكاه وعدله، فيكون قدحا فيه؟

قيل لهم: أنتم شهدتم بما علمتم من أنه أهل العلم بالطب أو التقويم أو الخرص أو القيافة ونحو ذلك، وأن قوله في ذلك مقبول دون قولكم، فلو قدمنا قولكم عليه في هذه المسائل، لكان ذلك قدحاً في شهادتكم وعلمكم بأنه أعلم منكم بهذه الأمور، وإخباركم بذلك لا ينافي قبول قوله دون أقوالكم في ذلك، إذ يمكن إصابتكم في قلوكم: هو أعلم منا، وخطؤكم في قولكم: نحن أعلم ممن هو أعلم منا، فيما ينازعنا فيه من المسائل التي هو أعلم بها منا، بل خطؤكم في هذا أظهر.

والإنسان قد يعلم أن هذا أعلم منه بالصناعات، كالحراثة والنِّسَاجة والبناء والخياطة، وغير ذلك من الصناعات، وإن لم يكن عالماً بتفاصيل تلك الصناعة، فإذا تنازع هو وذلك الذي هو أعلم منه، لم يكن تقديم قول الأعلم منه في موارد النزاع، قدحاً فيما علم به أنه أعلم منه.

ومن المعلوم أن مباينة الرسول صلي الله عليه وسلم لذوي العقول، أعظم من مباينة أهل العلم بالصناعات العلمية والعملية والعلوم العقلية الاجتهادية، كالطب والقيافة والخرص والتقويم، لسائر الناس، فإن من الناس من يمكنه أن يصير عالماً بتلك الصناعات العلمية والعملية كعلم أربابها بها، ولا يمكن من لم يجعله الله رسولاً إلي الناس، أن يصير بمنزلة من جعله الله تعالي رسولاً إلي الناس، فإن النبوة لا تُنال بالاجتهاد، كما هو مذهب أهل الملل، وعلي قول من يجعلها مكتسبة من أهل الإلحاد من المتفسلفة وغيرهم، فإنها عندهم أصعب الأمور، فالوصول إليها أصعب بكثير من الوصول إلي العلم بالصناعات والعلوم العقلية.

وإذا كان الأمر كذلك؛ فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله، وعلم أنه أخبر بشيء، ووجد في عقله ما ينازعه في خبره؛ كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلي من هو أعلم به منه، وأن لا يقدم رأيه علي قوله، ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه، وأنه أعلم بالله تعالي وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك، أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب.

فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي، فيما أخبره به من مقدرات من الأغذية والأشربة والأضمدة والمُسَهِّلات، واستعمالها علي وجه مخصوص، مع ما في ذلك من الكلفة والألم، لظنه أن هذا أعلم بهذا مني، وأني إذا صدقته كان ذلك أقرب إلي حصول الشفاء لي، مع علمه بان الطبيب يخطئ كثيراً، وأن كثيراً من الناس لا يشفي بما يصفه الطبيب، بل قد يكون استعماله لما يصفه سبباً في هلاكه، ومع هذا فهو يقبل قوله ويقلده، وإن كان ظنه واجتهاده يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟!

والرسل صادقون مصدوقون لا يجوز أن يكون خبرهم علي خلاف ما أخبروا به قط، والذين يعارضون أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال، فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط!!". انتهى، من "درء تعارض العقل والنقل" (1/138-141).

ثامناً:

يجدر بنا الإشارة إلى غلط جاء في الإيراد، وهو أن دليل الفطرة ليس دليلا عقليا، ولا يأخذ صورة من صور الاستدلال العقلي المتنوعة، كالسبر والتقسيم وقياس الأولى ونحو ذلك، وهو – أيضا – ليس دليلا سمعيا تتوقف دلالته على ثبوت الرسالة.

فالمراد بقولنا: معرفة الله فطرية؛ أن كل إنسان يولد على صفة تقتضي إقراره بأن له خالقا مدبرا، وتستوجب معرفته إياه، وتألهه له.

وهذه الصفة ذاتها هي القوة المغروزة في الإنسان، التي تقتضي اعتقاده للحق دون الباطل، وإرادته للنافع دون الضار.

قال الله تعالى: قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ  إبراهيم/10.  

فالرسل احتجوا على الكفار بحجتين:

الأولى: الفطرة، أن الله تعالى فوق الشك، وأن الشك في إلهيته مما تنكره الفطرة. وهذه الحجة داخلية، نابعة من نفس الإنسان.

الثانية: العقل؛ وذلك في قولهم: (فاطر السماوات والأرض)؛ فإن هذا استدلال بالخلق على الخالق، وهذه الحجة الخارجية مأخوذة من دلالة الأثر على المؤثر.

وفي هذا دليل على أن كون وجود الله فطريا، مغاير للاستدلال العقلي على وجود الله.

وهنا نكتة لطيفة؛ وهي أن الآية جمعت بين المسلكين في إثبات وجود الله، وهذا مما يبطل ما جاء في الإيراد، أيضا.

وانظر جواب السؤال رقم: (225512)، والسؤال رقم: (317110).

والله أعلم.

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android