تنزيل
0 / 0

هل تفسير العلقة بالدم المتجمد يخالف العلم الحديث؟

السؤال: 421393

في معنى الكلمة العربية علقة من معانيها تجلط دموي، وقد تم استخدامها في القرآن عند الحديث عن التطور الجنيني البشري، وترجمته بعض الترجمات على أنه: تجلط دموي، أو دم متجمد، يقول مناهضون للمسلمين: إنه غير علمي، إنه يشبه الدم فقط، ولكنه في الحقيقة ليس دمًا، شاهدت ردود بعض المسلمين وهم يقولون: إن هذه الكلمة تستخدم للحديث عن المظهر الجمالي، حاولت البحث عن دليل لأقتنع بأنه يستخدم لوصف المظهر الجمالي، ولكن لم أجده، فآمل الإفادة.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد.

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) الحج/5.
 ويقول تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (المؤمنون/12-14

وكلام المفسرين في معنى العلقة يشمل معنيين:

الأول: أنها من دم جامد.

يقول الفيروزأبادي عن العلقة: "الدَّمُ عامَّةً، أو الشَّديدُ الحُمْرَةِ، أو الغَليظُ، أو الجامِدُ القِطْعَةُ منه" (ص/910).

الثاني: أنها ما يتعلق بالرحم.

يقول الفيروز أبادي أيضًا في تفسير العلقة أنها: "كلُّ ما عُلِّقَ"(ص/910).

وتجد المعنيين في قول ابن الجوزي مثلًا: "والعلقة: دم عبيط جامد. وقيل: سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقة". انتهى، من "زاد المسير" (5/406).

ولذلك عبرت العرب عن الحمل بأنه علق، فيقولون: "وعَلِقَتِ المرأةُ، أي حَبِلَت" الصحاح للجوهري(1/491).

ولا يخلو الجنين في مرحلة تطوره هذه من كونه دمًا متعلقًا، فالعلم يثبت حالة التعلق بالرحم، والعلم يثبت الدم كمكون رئيسي وغالب على الجنين في هذه المرحلة.

جاء في "المعجم الوسيط"، الطبعة الخامسة المحدثة المعتمدة، من مجمع اللغة العربية، في بيان معاني (العَلَق):

" ودودٌ أسودُ يمتص الدمَ، يكون في الماء الآسن، إذا شربته الدابة علِق بحلْقها. واحدته: علَقةٌ. والدمُ الغليظ أو الجامد، وبه فُسرت الآية الكريمة: ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ) . والقطعة منه: عَلَقةٌ.

والعلَقة، في علم الأجنة: أول أطوار المرحلة الثانية من مراحل تكون الجنين، يبدأ من أوائل الأسبوع الثالث للحمل، ويستمر لمدة خمسة عشر يوما تقريبا، وفيه يتخذ الجنين شكل الكائن الحيواني المائي الذي يحمل الاسم نفسه، ويتعلق ببطانة الرحم الداخلية، ويبدأ تكون جهازه الدوري، فتكثر الأوعية الدموية الممتلئة بالدم الراكد، فتظر كأنها تجمعات دموية غليظة، شديدة الحمرة. وفي القرآن الكريم: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ )." انتهى، من "المعجم الوسيط" (2/979).

والذين ظنوا مخالفة العلم للآية، ظنوا أن مقصود الآية أن الجنين مجرد قطعة دم متجلطة، وهذا غير مقصود بالآية، بل الآية تعبر عن الكل، الذي هو الجنين، بجزء حيوي فيه وهو الدم، وهذا مثل قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن/27.

فهل المقصود من الآية أنه لا يبقى سوى وجه الله؟

الجواب: لا. بل مقصود الآية أن الله سبحانه وتعالى يبقى بذاته وصفاته، ولكن عبر عن ذلك بأحد صفاته الباقية سبحانه، وهي وجهه الكريم.

قال ابن كثير: "يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب -تعالى وتقدس-لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدا".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن بقاء وجهه المُذوَّى بالجلال والإكرام: هو بقاء ذاته" مجموع الفتاوى (2/434).

ويقول سبحانه: (فتحرير رقبة مؤمنة) النساء/92.

ولا شك أن المقصود هنا هو تحرير العبد أو الأمة، وإنما عبر برقبته وأراد كله.

فليس المقصود إذن بالعلقة: أن الجنين في هذه المرحلة ليس سوى قطعة دم متجلطة، وإنما المقصود أن له بنيانا في هذه المرحلة، وجزء مهم رئيس من بنيته: هو الدم والتعلق، وكلاهما: الدم والتعلق؛ يثبتهما العلم للجنين في هذه المرحلة.

ثانيًا: عندما تقع الشبهة، قد يقع بعض الحريصين على الخير في محاولة دفعها، وقد يخطؤون في وجه الدفع ولا يصيبون فيه، ومن صور الخطأ تفسير نص الوحي بما لا يدل عليه دليل من الكتاب أو السنة أو كلام السلف.

وفي موضوعنا هنا، فإن تفسير العلقة بالمظهر الجمالي لا دليل عليه، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من كلام السلف، ولا هو من معاني العلقة في العربية، ولا يحل تفسير كتاب الله أو سنة رسول الله بدون هذه الأصول.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الفعل: "مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين؛ لا في رأيهم ولا في تفسيرهم" مجموع الفتاوى (13/358).

ويرجى مراجعة أجوبة هذه الأسئلة: (348627)، (294087 ).

والله أعلم

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعتم بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android